القاضي عبد الجبار الهمذاني

477

شرح الأصول الخمسة

مسلمين حقيقة وقد عرف خلاف ذلك ، ولكان يجب أيضا أن لا يزول هذا الاسم بالندم وغيره وقد عرف خلافه . ومما يدل على ذلك قوله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ الآية ، سمى هذه الجمل دينا ، ثم بين في آية أخرى أن الدين عند اللّه الإسلام ، ولو كان مبقي على أصل اللغة لم يصح ذلك لأنه في الأصل غير مستعمل في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وهذا كما يدل على أنه غير مبقي على الأصل فإنه يدل على أنه لا يجوز إجراؤه إلا على من يستحق المدح والتعظيم كالمؤمن سواء . ومما يدل على أن الدين والإسلام واحد ، قوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ والمعلوم أنه لو اتخذ الإيمان دينا لقبل منه . ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 36 ) فلو لم يكن أحدهما هو الآخر ، لكان لا يصح الاستثناء على هذا الوجه . ومما يدل على ذلك ، أخبار رويت عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، من جملتها قوله : « بني الإسلام على خمس ، شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت اللّه » وفي بعض الروايات ، والعمرة . ومن ذلك قوله : « الإسلام بضع وسبعون بابا أعلاه شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق » والذي يدل على أن اسم المسلم صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم كالمؤمن ، هو أنه لم يذكره إلا وقد قرن إليه من يدل على أنه مستحق للمدح ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وقال تعالى : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ . وقد خالفنا في ذلك بعض الناس ، وفرق بين المؤمن والمسلم ، واستدل على ذلك بقوله تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا فاللّه تعالى فصل بين الإيمان والإسلام ، فلو كانا جميعا بمعنى واحد لم يكن للفصل بينهما وجه . وجوابنا عن ذلك ، أكثر ما فيه أنه تعالى استعمل الإسلام في هذا الموضع على الحد الذي يستعمله أهل اللغة مجازا ، ونحن لا نمنع من وجود المجاز في كتاب اللّه تعالى ، فصار الحال فيه كالحال في المؤمن فقد استعمله اللّه كثيرا في كتابه وأراد به ما وضع له في الأصل ، نحو قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى غير ذلك